يجد المتتبع لما يطرأ على التكنولوجيا من تطورات متسارعة في الوقت الراهن
أن هذه التكنولوجيا أصبحت تغزو مجالات حياتية مختلفة. وقد
أدى ذلك إلى تغيير جذري في مجريات أمور هذه المجالات بحيث أصبح لزاما علينا فهم طبيعة
التغييرات لكي يسهل علينا التعامل مع التكنولوجيا والاستفادة منها بصورة صحيحة.
فأصبح ينظر للأعمال بمنظور علمي يرتكز على أسس ومباديء بعيدا عن الاجتهاد والعفوية
من أجل الوصول للأهداف المرسومة وتحقيقها.
إن تطبيق التكنولوجيا في المجالات الحياتية المختلفة يختلف
بحسب طبيعة المجال والأعمال المناطة بهذا التطبيق. فهناك تكنولوجيا الاتصالات
وتكنولوجيا الصناعة وتكنولوجيا الفضاء وتكنولوجيا الطب وتكنولوجيا الهندسة وغيرها.
وهناك أيضا تكنولوجيا التعليم التي يتناولها هذا الكتاب. ومن الملفت للنظر
في هذا الصدد أن التطور الذي يطال التكنولوجيا في مجال معين يمكن تسخيرة في مجالات
اخرى والإستفادة منه. وهناك أمثلة عديدة على ذلك نورد منها ما يلي:
· التطورات التي تحصل في
تكنولوجيا الإتصالات يتم توظيفها في مجالات عدة كالطب والإعلام والإقتصاد وغيرها.
· التطورات التي تحصل في
تكنولوجيا الفضاء يتم الاستفادة منها في مجالات عدة كالتعليم والإعلام والتصنيع
الحربي وغيرها.
· التطورات التي تحصل في
تكنولوجيا المعلومات يستفاد منها في جميع المجالات الحياتية من تعليم واقتصاد
وصناعة وغيرها.
من هنا نجد أنه من الضروري التعرف على ماهية التكنولوجيا
ومراحل تطورها ما دامت تتصل بجميع مجالات الحياة وتؤثر عليها. ومن أجل ذلك لا بد
من محاولة الإجابة على بعض التساؤلات التي قد تتبادر إلى الذهن ومنها: هل
التكنولوجيا ظهرت في عصر معين أم أنها ظهرت منذ بدايات الإنسان الأولى؟ وهل هناك تكنولوجيا
ظهرت في عصر ما وتلاشت في عصور لاحقة ولماذا؟ وكذلك هل التكنولوجيا ساعدت في تطور
البشرية وأثرت على تقدمها وازدهارها؟
تحاول هذه الوحدة
الإجابة على مثل هذه التساؤلات وكذلك إلقاء الضوء على التكنولوجيا بشكل عام
وتكنولوجيا التعليم والإتصال التعليمي بشكل خاص من خلال عرض بعض التعاريف
الخاصة بالتكنولوجيا ومراحل تطورها وكذلك التعرف على مفهوم تكنولوجيا
التعليم والتطورات التي حصلت علية وكذلك أثر هذه التكنولوجيا على عمليتي
التعليم والتعلم.
التكنولوجيا البدايات
والتطور
تطلعنا العديد من كتب التاريخ
بأفكار وآراء حول نشأة الإنسان وتطوره. ونجد أن هناك العديد من هذه الأفكار
والآراء يتفق عليه أغلب المؤرخين والباحثين. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد
أن معظم الكتب والأبحاث التي تتناول الحضارات القديمة Ancient Civilizations تجمع على
أن هناك بعض المناطق في العالم تعتبر مهدا لهذه الحضارات (أنظر الشكل رقم 1-1)
والتي نشأت معظمها على ضفاف الأنهار. يعود السبب وكما يعزيه المتخصصون في
هذا المجال كون تلك البقاع من الكرة الأرضية كانت تشكل المناطق الخصبة لنمو تلك
الحضارات مما ساعد في نموها وازدهارها. ومن أمثلة تلك الحضارات البابلية
والفينيقية والأشورية والهندية والصينية والفرعونية والسومرية حيث لاتزال بعض
الآثار المتبقية منها والتي يتم اكتشافها خير دليل على وجودها في تلك البقاع
من الكرة الأرضية.
وقد ساعدت الإكتشافات الحديثة على
تحديد الأماكن التي تم اعتبارها مهدا للحضارات القديمة. فالأدوات التي تم
اكتشافها (انظر الشكل رقم 2) والوسائل التي تم التحري عنها في تلك البقاع
خير دليل على وجود شعوب كانت تعيش فيها.
شكل رقم 2-1 رسومات لبعض الأدوات
شكل رقم 3-1 أدوات حادة
ساعد ذلك علماء الآثار والمهتمين في دراسة الحضارات القديمة على التوصل لحقيقة
مفادها أن الأراضي الخصبة و المتمثلة في ضفاف الأنهار شكلت البدايات الأولى لما
يعرف بالتكنولوجيا Technology والتي تم
توظيفها لخدمة الانسان ومساعدته على البقاء وتذليل الصعوبات التي كانت تواجهه في
حياته اليومية. وتشير الدراسات والأبحاث إلى أن الإنسان استطاع صنع أدواتهTools لأغراض
متعددة (انظر الشكل رقم 3). فهناك أدوات صنعها لكي يتمكن من قتل فريسته
وأدوات تمكنه من قطع الأشجار وأدوات أخرى تمكنه من الاحتفاظ بغذائه
وخزنه وهكذا. وتظهر الآثار التي تم اكتشافها في مناطق عيش الأنسان الأولى
إلى أنه تمكن من تطويير أدواته لتأخذ شكل من أشكال المكننة البسيطة لخدمته بفاعلية
أكبر. فقد طور من إمكانياته في تسخير طاقات الحيوان مثلا لمساعدته في التنقل ونقل
أحماله وصنع العربات التي تجرها تلك الحيوانات مثلا. والحدائق المعلقة في
العراق خير شاهد على تطوير هذا الإنسان لطرائق تمكنه من نقل المياه من الأماكن
المنخفضة إلى الأماكن المرتفعة علما أن الأسس العلمية التي تم تطبيقها لتطوير
طريقة نقل المياه هذه لازالت تحير العلماء حتى وقتنا الراهن.
شكل رقم 4-1 الحدائق المعلقة
نجده
كذلك قد ابتكر طرائق أخرى لنقل الماء ليغطي مساحات زراعية أكبر من خلال ما يعرف
باسم الأفلاج في مناطق عدّة بشبه الجزيرة العربية. إلا أن مثل هذه الطرائق انقرضت
بسبب التوصل لطرائق أنجع وأكفأ في الري.
نستطيع القول أن مثل هذه الأدوات والوسائل التي كان يستخدمها
الأنسان الأول وبمختلف أنواعها كان الهدف منها ما يلي:
· تسهيل
حياته وتبسيط الأمور التي يتعامل معها.
· زيادة
انتاجه من مأكل وملبس وتوفيره لوقت الحاجة.
· تحسين
نوعية منتجاته.
· الاعتماد
على طاقات بديلة لقدراته الجسمية لتوفير مستلزماته.
· فرض
سيطرته وهيمنته وإبراز قوته على الآخرين.
مراحل تطور الأدوات والوسائل التكنولوجية
إن مفهوم
التكنولوجيا لم يتبلور ويتضح بالصورة التي نراها الآن إلا منذ عهد قريب لذلك سنقوم
بإلقاء الضوء على تطور ما استخدمه الإنسان من أدوات ووسائل ساهمت في تطويره وتقدمه
بمراحل مختلفة. يميل العديد من المؤرخين إلى تقسيم مراحل تطور هذه الأدوات
والوسائل التي استخدمها الإنسان منذ بداياته الأولى وحتي عصرنا الحالي
والتي شكلت البدايات لما أصبح يعرف اليوم بالتكنولوجيا إلى ما يلي:
تعريف التكنوالوجيا
استخدم اليونانيون القدماء كلمة تكنولوجيا والتي تتكون
من مقطعين هما تكنو Techne وتعني
فن ولوكيا أو لوكوس logy وتعني
علم. يشير كرين (1999) إلى أن قصد اليونانيون القدماء من كلمة الفن هو التكنولوجيا
التي تستخدم لإنتاج المواد المتعلقة بالسياق. ففن صناعة مكوك الحياكة يتبع فن
الحياكة نفسها. وهذا المثال يساعد في فهم التكنولوجيا بمفهومها القديم والذي يربط
بين التكنولوجيا نفسها والوظيفة المناطة بها حيث أنها الإجراء الذي يعتمد على
نتائج الملاحظة والقياس التي تنتج أو تساعد في تحقيق إنتاج يتم التأكد من فائدته.
وعليه نستطيع القول أن التكنولوجيا تعنى بعمليات إنتاج المواد والخدمات التي
يعتبرها الإنسان مفيدة. أما التعريف الحديث الذي يورده سيمون (1983) فمفاده أن
التكنولوجيا هي المجال المعرفي المنطقي الذي يهدف إلى التأكد من سيطرة
الإنسان على بيئته من خلال تطبيق قوانين علمية محددة. وهناك من
يعتبر أن تعريف التكنولوجيا لابد أن ينبثق من الإطار الإجتماعي السائد بحيث يتضمن السياق
والغرض وبالتالي فلا يوجد تعريف عام يوحد مفهوم التكنولوجيا.
من هنا نستخلص أنه عند الحديث عن التكنولوجيا يجب الفصل بين
أنواعها المستخدمة في مختلف المجالات وحتى في المجالات المتشابه ربما لا نستطيع
إعطاء تعريف مفصل لها. فمثلا التكنولوجيا التي تستخدم في مصنع للنسيج قد لا تتسم
بنفس المواصفات التي يستخدمها مصنع آخر لكون مبدأ عمل وطريقة إنتاج المصنعين
مختلفة نتيجة لاستخدام التقنيات الحديثة في إحداها وبقاء الآخر يعتمد على عمليات
الإنتاج البدائية. وهذا لا يمنع من أن نورد بعض التعريفات لتكون المنطلق الذي سننطلق
منه للحديث عن تكنولوجيا التعليم ، ومن هذه التعريفات نورد التعريفين
التاليين للتكنولوجيا:
· التطبيق
المنظم للمعرفة العلمية التي تتعلق بالمهام العملية" (نيوباي 2000)
· التطبيق
العملي للعلم في مجال التجارة والصناعة/ المجال الذي يتعامل مع الفن أو العلم في
تطبيق المعرفة العلمية للمسائل العملية (قاموس ووردنت)
· -أنها
التطبيق المنظم للمفاهيم السلوكية والفيزيقية لحل المشكلات.
· -أنها
منظومة تصميم لتؤكد سيطرة الإنسان على الطبيعة الفيزيقية من خلال تطبيق القوانين
العلمية.
· -أنها
لا تتضمن بالضرورة
استخدام الأجهزة كما يدعي البعض ولا تشكل الأجهزة إلا جزءا منها والتي تعني في
جوهرها تطبيق المعرفة العلمية. (زيتون 2002)
ومهما
اختلفت الآراء وتعددت التعريفات حول ماهية التكنولوجيا نستطيع القول أن هذا
المصطلح يعني:
تحقيق الهدف المرسوم (كإنجازعمل ما) من خلال خطوات علمية منظمة
خاضعة لإطار نظري تنطلق منه باستخدام الإمكانات المادية كالأدوات والأجهزة
أو غير مادية كالبرامج والنظم . ولابد من تؤدي هذه التكنولوجيا ثلاث مهام أساسية
هي:
1. تحقيق الإنجاز
2. تحسين الأداء
3. زيادة الإنتاج
إن هذه المهام
الثلاثة مرتبطة إرتباطا وثيقة بالأهداف العامة للتكنولوجيا المتمثلة في توفير
الوقت وتوفير الجهد وتوفير التكلفة. ففي مجال التعليم وعند
تطبيق التكنولوجيا في البيئة التعليمية لابد أن تسعى لتحقيق هدف أنيط بهذا التطبيق
مبني على أسس علمية منظمة يشمل جميع عناصر العملية التعليمية (إذا كان هذا الهدف
خاص بالمخرجات التعليمية مثلاً) يزيد من الانتاجية ويحسنها ويسهم في خلق الإبداع
الذي يؤدي إلى تحيق الهدف من عمليتي التعليم والتعلم من خلال ما ينجزه
المتعلم وما يقوم به المعلم لهذا الغرض وكذلك الأفراد الآخرين ممن يقومون
على عمليتي التعليم والتعلم من إداريين وفنيين وغيرهم.
عناصر تكنولوجيا
هناك ثلاثة
عناصر لا بد أن تتوفر في التطبيقات التكنولوجية بحيث تعمل بشكل متفاعل مع
بعضها البعض وبانسجام تام لكي يتحقق الهدف المنشود بصورة مرضية. يوضح الشكل
أعلاه هذه العناصر وعملية تداخلها لتشكيل التكنولوجيا.
1. الإنسان: يعتبر الإنسان أهم
عنصر من بين العناصر الأخرى التي تشكل التكنولوجيا، فهو الذي يحدد احتياجاته وبناء
على هذه الاحتياجات يقوم بوضع الأهداف التي من خلال تحقيقها يتمكن من تلبيية هذه
الاحتياجات. فبتوافر العناصر الأخرى يقوم باستغلال ما وهبه الله له من عقل لوضع الخطط وصياغة إجراءات التنفيذ وعمليات التقييم
وهذا بمجمله يقوده إلى التطبيق التكنولوجي.
2. المواد: يأتي هذا العنصر في المرتبة الثانية بعد الإنسان من
أجل الوصول إلى التطبيق التكنولوجي. فالمواد موجودة في متناول أيدينا بصور وأشكال
مختلفة وحاجة الإنسان للإستفادة من هذه المواد متنوعة ومستمرة. فهي متنوعة بتنوع
طبيعة هذه الحاجة فهو يحتاج الأخشاب لصناعة الأثاث المنزلي والورق والمراكب
الشراعية. وهذه الحاجة مستمرة كون حياة الإنسان في تطور ونمو وزيادة وبالتالي
فحاجته للمواد لا تتوقف عند حد معيّن.
3. الأدوات: وتشمل جميع ما يلزم الإنسان في عملية التعامل مع
المواد وصياغتها وتشكيلها بالصورة المطلوبة والتي تلبي حاجاته. فقد تكون آلة أو
جهازا أو ما شابه ذلك يتمكن الإنسان من خلالها التعامل مع المواد بطريقة أو بأخرى
لكي تتم الإستفادة من هذه المواد.
ولتوضيح ما
تقدم فقد أهدى تفكير الإنسان الوصول إلى تطبيقات تكنولوجية خاصة بالطباعة بعد أن
أضحي بحاجة إلى تخزين المعلومات بكمياتها الهائلة والمتزايدة والتي لا تمكنه من
الإعتماد على ذاكرته في حفظها. ومع تزايد وتنوع العلوم المختلفة نجد تكنولوجيا
وسائط التخزين لهذه العلوم قد تطورت بشكل يلبي حاجة الإنسان ويمكنه من الوصول إلى
المعلومة بسهولة ويسر. فمن ورق البردى إلى الطباعة إلى الأقراص الممغنطة إلى
الأقراص المدمجة إلى تكنولوجيا النانو. إن هذه التطبيقات التكنولوجية التي تطورت
على مر العصور تعتبر شاهدا على حاجة الإنسان المستمرة وبحثه الدؤوب لإيجاد طرائق
وسبل تمكنه من سد هذه الحاجة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق